أ.د قمقاني فاطمة الزهرة

جامعة مولود معمري-  تيزي وزو

ملخص:
 
تعتبر التكنولوجيا الحديثة، وبالأخص الذكاء الاصطناعي (AI)، من الأدوات التي تحمل تأثيرات مزدوجة. من جهة، توفر فرصًا كبيرة في مختلف مجالات الحياة البشرية، بما في ذلك الثقافة والاقتصاد والسياسة، ومن جهة أخرى، تثير العديد من المخاوف بشأن تأثيرها على الهويات الثقافية في العالم العربي، حيث توجد ثروة ثقافية ولغوية غنية. يظهر الذكاء الاصطناعي كأداة قد تساهم في تهديد هذه الهوية إذا لم يتم التعامل معها بحذر. إن المخاطر المحتملة الناجمة عن تطبيقات الذكاء الاصطناعي قد تؤدي إلى تشويه أو تآكل الخصائص الثقافية المميزة للمجتمعات العربية. من هذا المنطلق، جاءت هذه الورقة البحثية التي تهدف إلى بحث تأثير الذكاء الاصطناعي على الهوية الثقافية العربية.
 
الكلمات المفتاحية: الذكاء الاصطناعي، الهوية الثقافية، الخصائص الثقافية

 مشكلة البحث:

        تشهد التقنيات التكنولوجية الحديثة، بما في ذلك الذكاء الاصطناعي ووسائل الإعلام الرقمية، زيادة مطردة في استخدامها على المستوى العالمي. على الرغم من الفوائد العديدة التي تقدمها هذه التقنيات في مجالات البحث العلمي، وتسهيل الحياة اليومية، وتعزيز التفاعل الاقتصادي والتجاري بين المجتمعات، إلا أن تأثيرها العميق على الهوية الثقافية للشعوب العربية بات ظاهراً بشكل ملحوظ، وهذا نظرا للتبادل اللا متكافئ بين العناصر الثقافية؛ إذ يكون التبادل أحادي الاتجاه مما يخلق مشكلة الخصوصية في ظل انتشار الذكاء الاصطناعي. إن التوسع السريع لهذه التقنيات يثير تساؤلات عدة حول مدى تأثيرها على القيم الثقافية واللغوية والاجتماعية، خاصة في ظل الانفتاح العالمي الذي تتيحه هذه الوسائل، فالذكاء الاصطناعي أصبح جزءًا لا يتجزأ من العديد من التطبيقات التكنولوجية التي تؤثر على الحياة اليومية، مثل الترجمة الآلية، وخوارزميات البحث، والمساعدات الصوتية. تساهم هذه التقنيات في نشر ثقافات معينة، خاصة الثقافات المرتبطة بالدول الغربية التي تقود مجال الذكاء الاصطناعي.

        إن الذكاء الاصطناعي يساعد على نشر الثقافات الغربية على نطاق واسع، باستخدام خوارزميات تساهم في تعزيز الثقافات المهيمنة على حساب الثقافات الأخرى. الأمر الذي قد يُشكل تهديدًا ملموسًا للهوية الثقافية الوطنية، خصوصًا في المجتمعات العربية التي تتسم بخصوصية ثقافية ولغوية قوية وهوية ثقافية تسمح للأفراد بالتعرف على ذواتهم وأمتهم. رغم أن هذه الوسائل توفر فرصًا للتفاعل والتواصل، فإنها في الوقت ذاته تُعًرِضُ الأفراد والمجتمعات العربية لمحتوى ثقافي قد يتناقض أو يبتعد عن قيمهم الثقافية الأصلية. بالنسبة إلى الهوية الثقافیة، فإن الذكاء الاصطناعي التولیدي بصفة عامة وموقعChatGpt   بصفة خاصة يثيران تحدیات تتعلق بالحفاظ على الخصوصیة الثقافیة وسط التأثیرات المتزایدة للتقنیات الرقمیة، خاصة انتشار الترجمة الآلیة والتواصل الرقمي اللذان قد یؤِديان إلى تآكل التعبیرات الثقافیة الفریدة وتقلیص تنوع الثقافات المحلية. من هنا تبرز أهمية الحفاظ على الهوية الثقافية للأجيال الجديدة من خلال تحفيز التفكير النقدي وتعزیز الوعي باستخدام هذه التقنيات، دون التأثیر سلبا على ثقافتهم الأصلية. (لبنى فتوح الصياد، ،2025 ص287)

        تأتي هذه الدراسة لتحديد تأثيرات الذكاء الاصطناعي على الهوية الثقافية للمجتمعات العربية، وهذا في سياق التحديات التي تفرضها العولمة الرقمية في ظل الانتشار الهائل للذكاء الاصطناعي.

على إثر ما سبق، نطرح التساؤل التالي: ماهي آثار استخدام الذكاء الاصطناعي على الهوية الثقافية العربية؟

1– منهج الدراسة:

تم إتباع المنهج الوصفي التحليلي في هذه الدراسة من خلال تحليل الأدبيات الأكاديمية الحديثة التي تتناول تأثيرات الذكاء الاصطناعي على الهوية الثقافية. تم الاعتماد على مراجع علمية  من كتب ودوريات أكاديمية و مجلات علمية.

2- تحديد المفاهيم :  

  • الذكاء الاصطناعي:

 هو ذلك العلم الذي يهتم بصناعة آلات تقوم بتصرفات يعتبرها الإنسان تصرفات ذكية (عادل عبد النور،2005، ص7)، وهو جزء من علم الحاسبات التي يهتم بأنظمة الحاسوب الذكية. تلك الأنظمة التي تمتلك الخصائص المرتبطة بالذكاء واتخاذ القرار، والمشابهة -لدرجة ما- للسلوك البشري فيما يخص اللغات والتعلم والتفكير وحل المشاكل (بشير علي عرنوس،2008، ص9).

يعتبر الذكاء الاصطناعي فرعًا من علوم الحاسوب، يركز على تطوير أنظمة ومعدات وبرامج تحاكي القدرات الذهنية للبشر مثل التعلم والاستنتاج، والتفكير، ورد الفعل، واتخاذ القرارات، والإدراك حتى في مواقف لم يتم برمجتها أو تدريبها عليها. يستخدم الذكاء الاصطناعي في مجالات متعددة كالطب، والصناعة، والتعليم، والاتصالات، وتحليل البيانات، والأمن السيبراني. بفضل التقدم في تعلم الآلة والشبكات العصبية، أصبح الذكاء الاصطناعي قادرا على أداء مهام كانت حكرًا على البشر، مع تحديات أخلاقية وتنظيمية مستمرة، كما يعرف بأنه دراسة وتصميم العملاء الأذكياء حيث يكون العميل نظام يستوعب بيئته ويتخذ مواقف تزيد من فرص نجاحه في مهمته ( p2;32003،(Russell &Norvig.

  • الهوية الثقافية:

تُعرّف الهوية الثقافية، بأنها وجه الثقافة الموحد والمميز الذي يشعر الفرد بأنه ينتمي إلى ثقافة أو حضارة معينة، وهذا ما يجعل الأفراد يشعرون، بالانتماء إلى تراث وفكر واحد، يزودهم ببطاقة هوية. فهي المظاهر الثقافية المشتركة بين أعضاء الجماعة التي يتم إبرازها لتميزها عن غيرها من الجماعات. ( ناصري محمد الشريف، 2016،ص 19)

تتحدد الهوية الثقافية في مجموعة من المقومات الأساسية المتجسدة في:

أ- اللغة الوطنية واللهجات المحلية المرتبطة بوجود شعب ما وتطوره ومصيره، على أساس أن تكون اللغة الوطنية معتمدة في التدريس على جميع المستويات، وفي التسيير الإداري، وفي القضاء، إضافة إلى التواصل بين شرائح المجتمع إلى جانب اللهجات المحلية.

ب- القيم الدينية والوطنية المتكونة عبر العصور، والتي تكسب الشعب حامل الهوية حصانة تحول دون ذوبانه في شعوب أخرى، وتؤهله لمقاومة كل محاولات التذويب مهما كان مصدرها.

ج- العادات والتقاليد والأعراف النابعة من تلك القيم والحاملة لها والعاكسة للمستوى الاقتصادي والاجتماعي والثقافي والسياسي للشعب حامل الهوية.

د- التاريخ النضالي الذي ينسجه ذلك الشعب حامل الهوية من أجل المحافظة على هويته أرضا وقيما، وعادات وتقاليد وأعرافا (محمد الحنفي، 2004).

3- آليات  تأثير الذكاء الاصطناعي على الهوية الثقافية :

  • يؤثر الذكاء الاصطناعي على اللغة والثقافة المحلية حيث يقوم بتعزيز الهيمنة اللغوية والثقافية على حساب اللغات المحلية. مع تزايد استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي في الترجمة الآلية- مثل تطبيقات الترجمة على الإنترنت- قد تتعرض اللغات العربية لتغييرات كبيرة في تركيباتها وصيغها.
  • مع تقدم الذكاء الاصطناعي وتطبيقاته المختلفة، قد يواجه المجتمع العربي تحديات في الحفاظ على ثقافته وهويته. على سبيل المثال، يمكن أن تؤدي خوارزميات البحث في الإنترنت إلى تقليل الظهور المحتوى الثقافي العربي المحلي، مما يجعل الثقافة العربية تتراجع في مقابل الثقافة العالمية السائدة.
  • تقنيات الذكاء الاصطناعي -مثل خوارزميات التوصية في منصات وسائل الإعلام الاجتماعية- يمكن أن تساهم في تعزيز ثقافات معينة على حساب الثقافات الأخرى. هذه الخوارزميات تميل إلى تقديم محتوى يتناسب مع اهتمامات المستخدمين بناءً على بياناتهم، مما يؤدي إلى تهميش الثقافات المحلية وفقدان الهوية الثقافية.
  •  يمكن لمنصات الإنترنت التي تستخدم الذكاء الاصطناعي أن تقود إلى الاستعمار الرقمي )أي الاستيلاء التقني والثقافي(. توجه هذه المنصات المستخدمين نحو المحتوى الذي يعكس ثقافة الدول المتقدمة بشكل أكبر، مما يهدد النسيج الثقافي للمجتمعات العربية Hinton, G., & Salakhutdinov,R. 2020)).
  •  إن العولمة التي تعززها التقنيات الحديثة منها الذكاء الاصطناعي تعمل على توحيد الثقافات، تتسبب في تراجع التنوع الثقافي لصالح ثقافة عالمية موحدة، تتأثر بشكل كبير بالعادات الغربية. هذا التوحيد الثقافي يمكن أن يؤدي إلى فقدان التنوع الثقافي المحلي، مما يهدد التنوع الثقافي الغني في المجتمعات العربية. 
  •  تعتبر اللغة العربية أحد أبعاد الهوية الثقافية في المجتمعات العربية. إلا أن تطور تقنيات الذكاء الاصطناعي في الترجمة الآلية، ومعظمها موجهة باللغة الإنجليزية، يحد -إلى درجة ما- من قدرة اللغة العربية على التفاعل بشكل كامل في عالم رقمي معولم. كما أن استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي في التعليم أو الصحافة قد يؤدي إلى استبدال المفردات العربية بمفردات أجنبية، وهو ما يعكس تأثيرًا “مزعزعًا” على اللغة.
  •  تساهم تقنيات الترجمة الآلية في عصر الذكاء الصناعي في نقل النصوص الثقافية بين اللغات دون مراعاة الفروق الثقافية الدقيقة. وهذا يؤدي إلى تحويل النصوص العربية إلى نصوص تفتقر إلى الجماليات اللغوية الخاصة بالعربية، مما يشكل تهديدًا على الهوية اللغوية.
  •  يعمل الذكاء الاصطناعي على تخصيص المحتوى الرقمي بناءً على الاهتمامات الفردية للمستخدمين. إن هذا التخصيص قد يؤدي إلى تفضيل الثقافات الغربية، وتهميش الثقافة العربية. كما أن منصات مثل “يوتيوب” و”فيسبوك” تروج في كثير من الأحيان للمحتوى الغربي أكثر من المحتوى العربي. فهي تدعم القيم والثقافة الغربية على حساب ثقافة الشعوب الأخرى ومنها المجتمعات العربية.
  •  يُظهر جيل الشباب في الدول العربية اهتمامًا متزايدًا بالذكاء الاصطناعي وما يقدمه لهم من مواد متنوعة سهلة المنال و تلبي رغباتهم، مما يؤدي إلى تحول تدريجي في أنماط التفكير والسلوك. إن ثقافة الشباب العربي اليوم تتعرض إلى تحديات، مثل انجذابه إلى الأنماط الثقافية الغربية بسبب الألعاب الإلكترونية، والأفلام الأجنبية، والموسيقى العالمية، وهو ما قد يشكل تحديًا حقيقيًا للهوية الثقافية العربية.

4. تأثير الذكاء الاصطناعي على الهوية الثقافية من خلال الدراسات:

 لقد توصل  (Zubareva,2020)إلى أن الذكاء الاصطناعي قد أسهم بشكل مكثف في أحداث تغيرات جوهرية في أنماط التفاعل مع المعرفة ومصادرها، فضلا عن التأثير في منظومة القيم والهوية الثقافية. إذ لم يعد تشكيل الوعي مقتصرا على المؤسسات الاجتماعية التقليدية كالعائلة والتعليم، بل باتت التطبيقات الذكية تقوم بدور مواز، بل أحيانا بديل عنها. (لبنى محمد فتوح الصياد،2025، ص291)

أما دراسة (عوض 2019) فقد كشفت عن أثر صناعة الثقافة في عصر العولمة في تغيير ملامح الهوية الثقافية للشباب المصري، فاستخدمت منهج المسح الاجتماعي، واعتمدت في جمع المعلومات والبيانات اللازمة على استمارة الاستبيان التي تم تطبيقها على عينة قوامها 240 مفردة من طلاب وطالبات الكلیات النظریة والعملیة بجامعة القاهرة. وقد توصلت الدراسة إلى عدد من النتائج، أھمها: أن صناعة الثقافة في عصر العولمة أسهمت عبر آلیاتها وبرامجها ومحتویاتها في تشكیل هوية ثقافية للشباب متحررة من القيم، ومن ثم خلقت القبول لكل الأفكار والقیم الثقافیة الغربية التي تحمل بذور التطرف والإرهاب والتمرد والعنف. كان من النتائج أيضا أن تكنولوجيا المعلومات والتفاعلات عبر الفضاء السيبراني قد أسهمت في تشكيل ثقافة جديدة للشباب هي الثقافة السيبرانية الآلية بما تحمله من معان ومضامين ثقافية تختلف بشكل كلي عن مضمون الثقافة المحلية، حيث أضحى الشباب سلبيين منعزلين فاقدي الطموح ومستسلمين للفشل ومنشغلين برموز وشخصيات وهمية. بالإضافة إلى أنها أدت إلى انحصار الهوية الثقافية للشباب المصري داخل غرف الشات وعبر مواقع التواصل الاجتماعي، مما أسهم في تغيير الكثير من المفاهيم والقيم الثقافية الأصيلة من جراء الرغبة في تكوين صداقات عابرة للحدود ومن مختلف الثقافات وكذلك الهروب من المشكلات العائلية، الأمر الذي ترتب عليه فقدان التواصل المجتمعي، والوقوع فريسة لمنتجات صناعة الثقافة العولمية. هذا فضلا عن تشوه مفردات اللغة العربية وتراجع استخدامها بين الشباب عبر الفضاء الالكتروني.

أضف إلى ذلك، فإن صناعة الثقافة قد أوجدت شكلا جديدا للانتماء وهو الانتماء للمجتمع الفضائي على حساب الانتماء للمجتمع الواقعي بما يشمل من التحرر من الانتماءات اللغوية والدينية والجغرافية والتمسك بالانتماء الرمزي حيث لم يعد الانتماء في ظل تحولات العولمة انتماءً مكانياً وإنما انتماءً معرفي صوري غير حقيقي. كان من نتائج الدراسة أيضا وقوع الشباب ضحية لفخ الثقافة الاستهلاكية ومواكبة كل ما هو جديد من الموضات والصيحات التي تبتعد عن ثقافتنا المحلية وهويتنا الوطنية وتسهم في تشويههما. (عوض شريف، 2019)

 بينت دراسة محمدي وهيبة (2025) تأثير استخدام الذكاء الاصطناعي على الهوية الثقافية والتنشئة الاجتماعية بين الشباب الجزائري، حيث تمثل مجتمع الدراسة من (150) شابًا منهم (80) ذكورًا و(70) إناثًا، وحجم أولياء الأمور التي كلن حجمها أيضا (150) منهم (70) أبًا، و(80) أمًا.

– توصلت الدراسة إلى وجود ارتباط قوي بين متغير استخدام الذكاء الاصطناعي ومتغير الهوية الثقافية، أي كلما ازداد مستوى استخدام الذكاء الاصطناعي من طرف الشباب، هناك تغير متزامن في متغير الهوية الثقافية.

  • هناك تأثير إيجابي قوي ذو دلالة إحصائية كبيرة لمستوى استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي على الهوية الثقافية، بمعنى أن زيادة مستوى الاعتماد على الذكاء الاصطناعي من طرف عينة الدراسة (الشباب) يتناسب طرديا مع تغير الهوية الثقافية لديهم بدرجة ثابتة قدرها (0.780) على مقياس المتغير التابع.
  • كما توصلت الدراسة إلى وجود علاقة مؤثرة بين الذكاء الاصطناعي والهوية، فالاعتماد على وسائل الذكاء الاصطناعي لا يقتصر على جانب تقني بحت، بل يمتد ليكون عاملا مؤثرا وفعالاً في تشكيل الهوية الثقافية لدى الشباب الجزائري، مما يستدعي مزيدا من البحث والنقد حول كيفية توظيف الذكاء الاصطناعي في الممارسات الثقافية والاجتماعية بما يحفظ الهوية ويعززها في ظل التحولات الرقمية المعاصرة.
  • كما توصلت الدراسة إلى وجود علاقة ارتباطيه قوية بين مستوى اعتماد الشباب الجزائري على الذكاء الاصطناعي في الحياة اليومية وتأثيره على التنشئة الاجتماعية من وجهة نظر الأولياء، علما أن التنشئة الاجتماعية تعتبر من أهم الوسائل لتثبيت عناصر الهوية الثقافية.
  • من جهة أخرى بينت دراسة (محمد السيد سليمان أحمد شرف) (2025) بعنوان “البحث في العلوم الإنسانية بين الهوية والهاوية في عصر الذكاء الاصطناعي”، بأن الاعتماد المتزايد على أدوات الذكاء الاصطناعي يشكل تحديا حقيقيا لهوية البحث والوعي الثقافي في العلوم الإنسانية، إذ تحذر الدراسة من أن الاستخدام المفرط لهذه الأدوات قد يؤدي إلى فقدان الهوية البحثية والذاتية، ويؤثر سلبا على مهارات التفكير النقدي والإبداعي لدى الباحثين، مع بروز قضايا أخلاقية، مثل حقوق الملكية الفكرية ودقة البيانات. كما تؤكد الدراسة على أهمية تبني وعي نقدي وأخلاقي في التعامل مع تقنيات الذكاء الاصطناعي للحفاظ على جوهر الهوية الثقافية والإنسانية في سياق التغيرات التكنولوجية المتسارعة.

توصلت دراسة الباحثين (العيد عماد ورندة شاوي) (2020) -والتي ركزت على عينة من رواد موقع فايسبوك من طلبة جامعة سكيكدة- إلى أن الشباب الجزائري يعاني من انشطار هوياتي بين الهوية الذاتية الحقيقية، والهوية التي يكونها في الفضاء الرقمي. أكدت الدراسة أن الفضاء الرقمي يوفر للشباب حرية أكبر في التعبير عن الذات وبناء هوية رقمية قد تكون مطابقة أو مختلفة تماما عن الواقعية.

كما توصلت إلى أن التفاعل الافتراضي يشكل محاولات تمثيل للهوية المرفوضة في الحياة الواقعية، ما يفسر تعدد الأوجه التي يظهر بها الشباب، وهذا يؤثر كثيرا على هوياتهم الثقافية.

لقد أوضحت الدراسة أنّ المجتمع الجزائري يتعرّض اليوم -أكثر من أيِّ وقت مضى – إلى عوامل التغير في بنياته التقليدية، خاصة في ظلِّ ديناميات تغير قوية وتفاعل مع ثقافات عديدة فرضتها وسائل وتكنولوجيا الإعلام الجديد. الأمر الذي بإمكانه أن يُعرِّض هُوية الشّباب، الذي يعتبر ركيزة البناء المجتمعي بالجزائر إلى تغير، ويصيبها أحيانا أخرى بإضعاف. هذا بالنظر إلى أنّ صعود الهويات الرقمية سوف يؤدي مع الوقت إلى تدمير جزء مهم من الرموز الثقافية واللغوية لمقومات المجتمع الأصيلة، ما يفرض ضرورة تسليط الضوء على أزمة الهوية والصراع القيمي لدى شبابنا. ينبغي الانتباه إلى الصراع الذي تساهم الهويات الافتراضية اليوم في إذكائه وتنميته، من خلال تظافر جهود جميع الفاعلين في المجتمع- كل من مستواه- ومنه المساهمة في التوظيف الجيد لعناصر هويتنا الذاتية الأصيلة، وهذا بكل فخر واعتزاز في أي وقت أو مكان لذلك.

في حين دراسة (أحمد الطاهر محمد أحمد) (2020) حول أثر التكنولوجيا الحديثة على التنشئة الاجتماعية لدى قبيلة المطاعنة في مصر، قد توصلت إلى وجود تأثير للتكنولوجيا الحديثة ووسائل الإعلام الجديدة على عملية التنشئة الاجتماعية في المجتمع القبلي. ركزت الدراسة على كيفية تغير القيم والعلاقات الاجتماعية التقليدية بفعل استخدام التكنولوجيا، مع تسليط الضوء على دور الأجهزة الذكية والإنترنت في فضاء التواصل والتنشئة الاجتماعية، حيث كشفت النتائج أن التكنولوجيا الحديثة تلعب دورا مزدوجا في التنشئة الاجتماعية، فهي تسهم في توسيع آفاق الاتصال وزيادة فرص التعلم والتفاعل الاجتماعي، لكنها في الوقت نفسه تفرض تحديات تتمثل في التغيرات في القيم التقليدية وفقدان بعض الروابط الاجتماعية الأصيلة وأوضحت الدراسة أهمية تنظيم استخدام التكنولوجيا وتقديم التوجيه والإشراف  الأسري والمجتمعي لمساعدة الأفراد وتمكينهم من الاعتماد الإيجابي على التكنولوجيا مع الحفاظ على الهوية الثقافية والاجتماعية في بيئة متغيرة.

5. العوامل التي تساعد على استعادة مكانة الهوية الثقافية :

  • من الضروري تطوير خوارزميات ذكاء اصطناعي تعكس التنوع الثقافي، بحيث تكون قادرة على فهم وتقدير التنوع الثقافي في المجتمعات العربية. يمكن تحقيق ذلك من خلال تدريب الخوارزميات على بيانات محلية ومواد ثقافية غنية تعكس الواقع العربي.
  • تشجيع البحث العلمي المستقل في مجال الذكاء الاصطناعي، حيث يتعين على الدول العربية إنشاء مراكز بحثية متخصصة في الذكاء الاصطناعي تركز على التأثيرات الثقافية والاجتماعية لهذه التقنية. يجب أن تعمل هذه المراكز على تطوير حلول مبتكرة تحترم الهويات الثقافية الخاصة بكل مجتمع. (UNESCO, 2021, p.15)
  • إعادة النظر في السياسات التعليمية المتعلقة بالذكاء الاصطناعي في الدول العربية، بحيث تكون أكثر توافقاً مع التحديات التي يفرضها الذكاء الاصطناعي. يجب تدريب الشباب على فهم الذكاء الاصطناعي وكيفية استخدامه بشكل يعزز الهوية الثقافية بدلاً من تهديدها. (Russell & Norvig, 2021, p. 28)
  • من ناحية أخرى، يمكن استخدام الذكاء الاصطناعي في توثيق وحفظ التراث الثقافي، مثل المخطوطات والآثار والفنون التقليدية، وذلك من خلال تقنيات مثل المسح ثلاثي الأبعاد والرقمنة، مما يساعد على الحفاظ على التراث الثقافي العربي لأجيال المستقبل، وتجديد الاهتمام بالثقافة العربية والحفاظ عليها.( (Addison, 2018, p. 93

 

6. النتائج:

  • يشكل الذكاء الاصطناعي تهديدات حقيقية للهوية الثقافية العربية، أهمها تراجع استخدام اللغة العربية في وسائل الإعلام الرقمية، وهيمنة المحتوى الثقافي الواحد بشكل يؤثر سلباً على التنوع الثقافي.
  • هناك حاجة إلى تدخلات من قبل الحكومات والمؤسسات الثقافية لضمان خدمة الذكاء الاصطناعي للمصلحة العامة واحترام الهويات الثقافية.
  • من الضروري تطوير قوانين وتشريعات تحكم استخدام الذكاء الاصطناعي في المجتمعات العربية.
  • لا بد من دعم مبادرات التعليم التي تركز على تطوير مهارات الذكاء الاصطناعي مع الحفاظ على القيم الثقافية المحلية.

7. التوصيات:

  •  تعزيز الإنتاج الثقافي الرقمي العربي. إذ يجب على الدول العربية زيادة الإنتاج الثقافي الرقمي الذي يعكس التراث والفنون العربية.
  • تطوير سياسات وطنية لحماية الثقافة. حيث ينبغي وضع سياسات تعليمية وتكنولوجية تهدف إلى الحفاظ على الهوية الثقافية.
  • تعليم الشباب كيفية استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي بطريقة تحترم الثقافة المحلية.
  • تشجيع البحث والتطوير المحلي في الذكاء الاصطناعي. إذ يجدر بالدول العربية الاستثمار في تطوير الذكاء الاصطناعي المحلي الذي يعكس الثقافة العربية ويحترم خصوصيتها.
  • تنظيم استخدام الذكاء الاصطناعي في الإعلام. إذ أنه من الضروري وضع سياسات لضبط خوارزميات الذكاء الاصطناعي في وسائل الإعلام، لضمان تمثيل عادل للثقافة العربية.
  • تعزيز الشراكات الدولية في مجال التكنولوجيا بأن تكون هناك شراكات بين المؤسسات الثقافية والتكنولوجية العربية والدولية، لتعزيز الفهم المتبادل واستخدام الذكاء الاصطناعي للحفاظ على الموروث الثقافي.
  • صياغة استراتيجية عربية للتعامل مع العلم والتكنولوجيا الحديثة، وإعادة النظر في المناهج الدراسية والجامعية على نحو يهدف إلى تأصيل الملامح الحضارية في الشخصية العربية لمواجهة تحولات عالم اليوم.
  • التنسيق والتعاون بصورة متكاملة بين وزارات التربية والتعليم العالي والثقافة والإعلام، والأوقاف والشؤون الإسلامية، والعدل؛ وذلك للمحافظة على الهوية الإسلامية من أي مؤثرات سلبية.
  • ضرورة خلق إعلام ناضج يبني الإنسان العربي الواعي والقادر على أن يكون فاعلاً في حوار الثقافات، ومصونًا ضد أخطار العولمة، ومحافظًا على هوية الأمة وقيمها.

المراجع:

1.   أحمد الطاهر محمد أحمد (2024): أثر التكنولوجيا الحديثة على التنشئة الاجتماعية لدى قبيلة المطاعنة في مصر، مجلة جامعة أسوان للعلوم الإنسانية، العدد 04، ديسمبر.

2.   العيد عماد، رندة شاوي (2020): الشباب الجزائري بين هوية الذات والهوية الافتراضية في ضوء الإعلام الجديد، دراسة ميدانية على عينة من طلبة جامعة سكيكدة رواد موقع فايسبوك، مجلة المعيار، مجلد 24، العدد 52.

  1. بشير علي عرنوس (2008): الذكاء الاصطناعي، دار السحاب للنشر والتوزيع، القاهرة.

  2. عادل عبد النور (2005): مدخل إلى علم الذكاء الاصطناعي، مدينة الملك عبد العزيز للعلوم والتقنية، السعودية، ط01.

  3. عوض شريف محمد )2019(: صناعة الثقافة في عصر العولمة، دراسة ميدانية لتحليل تأثيرها في تغيير ملامح الهوية الثقافية للشباب الجامعي، حوليات الآداب والعلوم الاجتماعية، جامعة الكويت، مجلس النشر العلمي، الحولية 40، الرابط: https://journals.ku.edu.kw/aass/index.php/aass/article/view/1199/1063

  4. – لبنى محمد فتوح الصياد (2025): أثر الذكاء الاصطناعي التوليدي ChatGPT في تشكيل المعرفة والهوية الثقافية، مجلة البحث العلمية في العلوم الإنسانية والاجتماعية، المجلد 26، العدد 02.

  5. محمد الحنفي (2004): الهوية والعولمة، مؤسسة الحوار المتمدن، الرابط: https://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=20899

  6. محمد السيد سليمان أحمد شرف (2025):البحث في العلوم الإنسانية بين الهُوِيَّة والهاوية في عصر الذكاء الاصطناعي (شات جي بي تي ChatGPT نموذجا)، مجلة جامعة البيضاء، مجلد 07، العدد01، فبراير.

  7. محمدي وهيبة (2025): تأثير استخدام الذكاء الاصطناعي على الهوية الثقافية والتنشئة الاجتماعية بين الشباب الجزائري، مجلة العلوم الاجتماعية، المركز الديموقراطي العربي ألمانيا، برلين، المجلد 09 العدد 37، سبتمبر. الرابط: https://democraticac.de/?p=106981

  8. ناصري محمد الشريف (2016): الاغتراب وعلاقته بكل من الاتجاهات نحو العولمة والهوية الثقافية لدى طلبة التربية البدنية والرياضية، أطروحة دكتوراه في نظرية و منهجية التربية البدنية والرياضية، دراسة ميدانية على عينة من طلبة معاهد علوم وتقنيات النشاطات البدنية و الرياضية الجزائرية) باتنة، عنابة، سوق أهراس(، الجزائر.

  1. Addison, A. (2000): Emerging trends in virtual heritage, IEEE Multimedia, 7(2):22 – 25, Link: https://ieeexplore.ieee.org/document/848421/

  2. Hinton, G., & Salakhutdinov, R. (2020): Digital Colonization and AI, Cambridge Journal of Technology and Society.

  3. -Russell, S. J., & Norvig, P. (2003): Artificial intelligence : A modern approach (2nd ed.). Prentice Hall/Pearson Education.

  4. -Russell, S., & Norvig, P. (2021): Artificial intelligence: A modern approach (4th ed.). Pearson

  5. UNESCO. (2021). Recommendation on the ethics of artificial intelligence. Link: https://unesdoc.unesco.org/ark:/48223/pf00eng

 

تنظم الشبكة العالمية للعلماء الجزائريين – إيناس سلسلة من الورشات التدريبية عبر الإنترنت في مجال إدارة المشاريع، موجهة للمهنيين والأكاديميين الذين يمتلكون خبرة سابقة ويرغبون في تعزيز مهاراتهم وتطوير ممارساتهم المهنية.
ماذا يتضمن البرنامج؟
  • دروس نظرية وتطبيقية في إدارة المشاريع
  •  دراسة حالات واقعية
  • لقاءات مع خبراء جزائريين متخصصين في المجال
 موعد الورشات: أفريل 2026، أيام السبت
طريقة المشاركة: عبر منصة Microsoft Teams
طريقة التسجيل:
إذا كنتم مهتمين بالاستفادة من هذا البرنامج، يرجى ملء استمارة التسجيل عبر الرابط أدناه.
سيتم انتقاء المشاركين بعد دراسة الطلبات، وستتم مراسلة المقبولين لاحقًا بالإيميل.
 
 

في ظل التطور المتسارع للعلوم الطبية، يبرز علم المعلوماتيه الحيويه (Bioinformatics) كأحد الركائز الأساسية لفهم الأمراض، وتحليل البيانات الجينومية، وتطوير التشخيص وعلاج الأمراض.
 يسرّ اللجنة الطبية لشبكة إيناس أن تستضيف “د. محمد بلحسين ” رئيس قسم الطب الجزيئي في مركز الجوهرة للطب الجزيئي وعلم الوراثة وفريق الاضطرابات الوراثية، جامعة الخليج العربي، البحرين، لتقديم محاضرة إلكترونية حول علم المعلوماتيه الحيويه في البحث الطبي

خلال هذا اللقاء، سيقدّم د. بلحسين:
* مدخلًا علميًا إلى مجال علم المعلوماتيه الحيويه Bioinformatics وأدواته الحديثة.
* تطبيقاته في البحث الطبي، لا سيما في تشخيص الأمراض السرطانية.
* أثره المتزايد على الممارسة الإكلينيكية.
* عرضًا لتجربته البحثية الدولية.
* نصائح عملية للباحثين والطلبة الراغبين في التخصص في هذا المجال الواعد.

ما مدى أهمية البحث العلمي في العلوم الطبية؟
كيف توظف الأبحاث في تطوير الأدوية و وسائل التشخيص؟
كيف يمكن الولوج إلى عالم البحث العلمي بالنسبة لخريجيّ التخصصات الطبية؟
هي أسئلة تراود كل مهتم بالمجال الطبي، و يبقى الغموض مخيما عليها في الكثير من الأحيان!
للإجابة عن هذه التساؤلات و غيرها، تدعوكم الشبكة العالمية للعلماء الجزائريين -إيناس لمتابعة لقاء علمي مع د.مهدي بن زاوي، دكتور في الصيدلة و باحث في مختبرات
Weil Cornell Medicine
، بولاية نيويورك -الولايات المتحدة الأمريكية.

للإجابة عن هذه التساؤلات و غيرها، تدعوكم الشبكة العالمية للعلماء الجزائريين -إيناس لمتابعة لقاء علمي مع د.مهدي بن زاوي، دكتور في الصيدلة و باحث في مختبرات
Weil Cornell Medicine
، بولاية نيويورك -الولايات المتحدة الأمريكية. 

بقلم الأستاذ: يوسف بوزيد

 

لقد سارَ كل عصر بجديده، وأبانت كل حقبة بما يَميزها، وكان من نصيبنا في هذا العصر أن نشهدَ ظهورَ الذكاء الاصطناعي، هذا الذي أبهر العالمَ، وتطفلَ على كل العلومِ وهزَّ منها المعالمَ، وبينما انغمس سواد من الناس في استعماله، وانبهروا بقدرته وأدائه، لا تزال طائفة من الناس تدق ناقوس المخاطرِ، وتسرد المحاذيرَ تِلوَ المحاذيرِ، خاصة أن استعماله قد تطفل على التلاميذ في أقسامهم، وعلى الطلبة في جامعاتهم، وعلى الكتاب وأقلامهم، وعلى العلماء وأبحاثهم، والشركات وأعمالها، والاختراعات وأسرارها، والسياسات وأبعادها: فغدا فينا العالمَ العارفَ الحَبرَ العَلَمْ، والمحلل المبرمج الفذَّ الحكمْ، فلم يترك مجالا إلا دخله، ولاعِلما إلا أفتى فيه… وكأن صناعته السحرَ وما هو بساحر. 

يجيب الأسئلة سريعا، ويأتي آمره مطيعا، يكتب المقالات والأبحاث، ويسرد الروايات والأحداث، يحسن الحسابَ والكتابَة، وسهَّل الحفيرَ، والبحثَ والتطوير؛ يتقن اللغات على تنوعها، واللهجات على كثرتها، فيتكلم لغة العُرب والعجمان، والإسباني والألماني، والفرس والأفغاني، والفرنسي والعبراني، والأمريكي والطلياني، والإفريقي والياباني، لغة أهل الصين والشيشاني، والروس والألباني؛ يفهم في التاريخ والأديان، في طب الحيوان والإنسان، في المجرات والأكوان، يقرأ المكتوب والمرسوم، ويفهم الصريح والمبهوم، يُصمم المواقع، ويحكي كل واقعة. 

لقد سارَ كل عصر بجديده، وأبانت كل حقبة بما يَميزها، وكان من نصيبنا في هذا العصر أن نشهدَ ظهورَ الذكاء الاصطناعي، هذا الذي أبهر العالمَ، وتطفلَ على كل العلومِ وهزَّ منها المعالمَ، وبينما انغمس سواد من الناس في استعماله، وانبهروا بقدرته وأدائه، لا تزال طائفة من الناس تدق ناقوس المخاطرِ، وتسرد المحاذيرَ تِلوَ المحاذيرِ، خاصة أن استعماله قد تطفل على التلاميذ في أقسامهم، وعلى الطلبة في جامعاتهم، وعلى الكتاب وأقلامهم، وعلى العلماء وأبحاثهم، والشركات وأعمالها، والاختراعات وأسرارها، والسياسات وأبعادها: فغدا فينا العالمَ العارفَ الحَبرَ العَلَمْ، والمحلل المبرمج الفذَّ الحكمْ، فلم يترك مجالا إلا دخله، ولاعِلما إلا أفتى فيه… وكأن صناعته السحرَ وما هو بساحر.

 

يجيب الأسئلة سريعا، ويأتي آمره مطيعا، يكتب المقالات والأبحاث، ويسرد الروايات والأحداث، يحسن الحسابَ والكتابَة، وسهَّل الحفيرَ، والبحثَ والتطوير؛ يتقن اللغات على تنوعها، واللهجات على كثرتها، فيتكلم لغة العُرب والعجمان، والإسباني والألماني، والفرس والأفغاني، والفرنسي والعبراني، والأمريكي و-الطلياني-، والإفريقي والياباني، لغة أهل الصين والشيشاني، والروس والألباني؛ يفهم في التاريخ والأديان، في طب الحيوان والإنسان، في المجرات والأكوان، يقرأ المكتوب والمرسوم، ويفهم الصريح والمبهوم، يُصمم المواقع، ويحكي كل واقعة. 

فقد غيَّرَ المشاريعَ فأعطاها أبعادًا غير التي كانت لسابقاتها، فغدا كلُّ مشروعٍ مربوطًا بالذكاء الاصطناعي، فأصبحنا نرى الفلاحةَ باستعمال الذكاء الاصطناعي، والطبَّ باستعمال الذكاء الاصطناعي، والصناعةَ، والحياكةَ، والتصميمَ، والرسمَ، والهندسةَ، والتسييرَ، وغيرها من المجالات كلُّها توظِّف هذا الذكاء الجديد، ولا ينكر أحد أنه ساهم بشكل كبير في تقدم كثير من الأبحاث، وأفضى إلى خلق نوع جديد من الصناعات، وميلاد جيل جديد من الشركات والشراكات، ودفع بالمستثمرين وأصحاب الأموال أن يضخوا فيها آلاف الآلاف من أموالهم، في شركات ناشئة ولكنها ما تفتأ أن تتربع على عرش الكبار، لا لشيء إلا لتغير في طباع الناس وجريهم نحو هذه الحلول والشركات، فتزيد أرباحهم وترتفع قيمتهم السوقية، وما كان يحدث في سنوات طوال أصبح الآن يحدث في الأشهر والأسابيع من تطور رهيب لشركات دخلها هذا الذكاء. 

 دخول الذكاء الاصطناعي هذه المجالات، جرّأ الكثير ممّن ليسوا من أهل الاختصاص أن يلجوا مجالات كانت حكرا على أصحابها، بل كان يلزمك دفع المال لخدمة ساعة، أو كتابة ورقة، أو حتى تصحيح سطر، فكان أن استغنى كثير من الناس عن بعض الخدمات التي  كان  يوفرها أصحابها، فأصبح هذا الذكاء يصحح الأوراق، ويكتب الأبحاث، يصمم المواقع، ويؤرخ الوقائع، يترجم الوثائق، ويثبت الحقائق، فأصبح الكل يتكلم في الكل، ولم تعد الخدمات التي يقدمها الأفراد والشركات ذات قيمة فاستغنى عنها كثير من الناس؛ وحتى الشركات أصبحت مهددة إن لم تستوعب هذا التغيير الذي جاء به الذكاء الاصطناعي، وباتت الخدمات والسلع إلا وتجدها مربوطة به، إما مطوِرة، أو تحت تطويره، أو مُطورة به. ومن طرائف الزمان، والخط والبيان، هو أنني استعنت بهذا الذكاء في هذه الورقة لكشف المراجع، وتحقيق الأبحاث وكشف المواقع، ولعله صَدَقَني – وأنا أتوجس منه خيفة – أنه يعرف ما لا أعرف وقد يصدقني اليوم ويكذبني غداً، وما عدا المراجع وأرقامها، والمقالات وأخبارها، فهذه الورقة من نسج أفكاري، ومن بنات أشعاري – لو كان شعرا-، وكأن هذا الذكاء أصبح مربَط الخيل، ومجمَع السيل، وبيت الداء، وصانع الدواء، وهو كما قال المتنبي رحمه الله: ” فيك الخصام وأنت الخصم والحكمُ [1]

وفي هذه الأبعاد التي تحاول هذه الورقة تسليط الضوء عليها، لتكشف لقارئها رأيا في هذا الذكاء- وقد كثرت الآراء وكثر المعبرون- وهل هذه التقنية نعمة أشرقت على بني البشر، أم نقمة قد حلت ولعنة ألمت؟ 

 حتى نُجيب على هذا السؤال، سنسلك ثلاثة محاور:  

أوّلًا: سننظر في مدى انتشار هذه الظاهرة 

ثانيا: نعرِّج على ما ثبت لها من منافع. وتأثير إيجابي على حياة الناس، أفرادا ومؤسسات.  

ثالثا: نختم بناقوس الخطرٍ في استعمالها. وبعض ما شابها من عجز. 

الغريب في ظاهرة الذكاء الاصطناعي أنها واحدة من الاختراعات القليلة التي يمكن القول أنّها أحدثت منعطفًا في تاريخ البشر، ونستطيع أن نعدّها من طبقة الثورة التي أحدثها إرساء أسس الخوارزميات على يد محمد بن موسى الخوارزمي في القرن التاسع الميلادي، أو اكتشاف الكهرباء على يد مايكل فاراداي في القرن التاسع عشر، أو اكتشاف المضاد الحيوي (البنسلين) على يد ألكسندر فليمنغ سنة 1928م، أو حتى الثورة التي صنعتها الإنترنت منذ مشروع ARPANET سنة 1969م، ثم ما تبعها من وسائل التواصل الاجتماعي الحديثة مثل Facebook سنة 2004م وغيرها. 

أولا: مدى انتشار ظاهرة الذكاء الاصطناعي

 

 فتقنية الذكاء الاصطناعي كانت دائما في مُخيلة العلماء والباحثين، حتى جاء حينها، فانتشرت كالنار في الهشيم، إذ تُظهر الأرقام أن الذكاء الاصطناعي تحوّل إلى ظاهرة عالمية عميقة لم تبق ولم تذر؛ إذ أن 78٪ من المنظمات عالميًا استخدمته في عام 2024، بعدما كان 55٪ فقط في 2023، وفق تقرير AI Index 2025 [2] الصادر عن Stanford HAI، كما ذكر استطلاع للرأي عن مؤسسة ماكينزي McKinsey Global Survey 2024 [3] أن 65٪ من الشركات أقرت أنها تستخدم الذكاء الاصطناعي في جزء واحد على الأقل من أعمالها- بل بعض الشركات تُلزم عمالها أن يستعملوه. وتشير مذكرة بحثية صادرة عن مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي [4] إلى أن ما بين 20–40٪ من العاملين يستخدمون أدوات ذكاء اصطناعي في بيئة العمل، مع نِسَب أعلى في الوظائف التقنية، كالبرمجيات مثلا. أما على مستوى النصوص المكتوبة، فتُظهر دراسة منشورة عام 2025 حول “الانتشار الواسع للكتابة بمساعدة النماذج اللغوية”[5] أن نحو 18٪ من شكاوى المستهلكين المالية، و24٪ من البيانات الصحفية للشركات، وحوالي 10٪ من إعلانات الوظائف تحمل آثار نصوص كُتبت أو عُدِّلت بواسطة نماذج لغوية كبيرة بحلول نهاية 2024، وفق بيانات منشورة على منصة arXiv. 

إن هذا الانتشار الواسع، لخير دليل أنه وافق رغبة في البشرية لم يشبعها من جاء قبله، أو فلنقل بلغة علماء التسويق أنه وجد حاجة في السوق فغطاها، وأي حاجة، فكأنه الهواء أو الماء، وكأنه جاء لأناس سُدت أنفاسهم وجفت حلوقهم، فسارعوا إليه وهم لا يعرفون من أين يبدؤون، وكيف يتعلمون، وفي كل يوم يسمعون عن تقنية جديدة وبحر جديد، لا يترددون أن يدخلوا شواطئه أو يغوصوا في أعماقه، فلم يترك عربا ولا عجما، ولا بيضا ولا حُمرا إلا دخل دورهم وعقولهم، ومالهم وأعمالهم، والأمر لغاية اليوم في أوله، ولم نر ولم نعرف بعد مدى أبعاد هذا التحول وإلى أين سيصل. 

ثانيا: منافع هذه التقنية

في جانب المنافع الاقتصادية، فإن هذه التقنية لم تدفع -حسب رأيي- بعجلة الاقتصاد فقط، بل أحدثت طبقة جديدة من الاقتصاد، طبقة عليا عن سابقتها، ألزمت من دونها أن يتبنوه كتقنية، أو يبقوا في طبقة من الاقتصاد قد تصير مقبرة في أمد ليس ببعيد، مقبرة ستدفن كل مُصِرٍّ على تغافل هذا التطور، وكل فاقد لبعد النظر -بلغة علماء التسويق- وأن البديل الجديد خليط الذكاء أو نتاجه سيخطف حصته من السوق إن أصرّ على العناد. في هذه الطبقة الجديدة المشرقة من الاقتصاد، وبحسب تقارير متتابعة لشركة [6] McKinsey & Company، يمكن لهذه التقنيات أن تضيف تريليونات الدولارات إلى الناتج العالمي سنويًّا، لا من خلال قطاع واحد فقط، بل عبر عشرات مجالات الاستخدام، وتخيل هذه المجالات ولا تذر، فمن خدمة العملاء، للتسويق، التقنيات المالية، الصناعة، المعرفة، التعليم، الكتابة، السينما، التصوير، وغيرها كثير. 

وتؤكِّد التجارب الميدانية الصورة نفسها؛ فدراسة لباحثين من MIT و Stanford [7] على أحد مراكز الاتصالات أظهرت أن تزويد الموظفين بأداة ذكاء اصطناعي تساعدهم أثناء المحادثة مع العملاء جعل أداءهم أفضل، خاصة لدى الموظفين الجدد، وكأن الذكاء الاصطناعي يقوم بدور «المُدرِّب الخفي» الذي يختصر سنوات من الخبرة، بل إن مواقع مثل أمازون اخترع متحدثا ذكيا Rufus لخدمة العلماء [8]، قلب طاولة خدمة العملاء. وفي تقارير أخرى مثل AI Index [9]، يتكرر وصف العمال الذين يستخدمون هذه الأدوات بأنهم «أسرع وأكثر جودة» في الكتابة والتحليل وحل المشكلات. حتى على مستوى بيئات العمل التقليدية في البنوك والمصانع، تشير تقارير منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD) [10] إلى أن إدخال أنظمة الذكاء الاصطناعي يمكن أن يرتبط ـ في بعض الحالات ـ برضا أكبر عن العمل وتحسّن في ظروفه وأجوره. 

ثالثا: ناقوس الخطر 

 

 ومع هذا تبقى أسئلة جوهرية عن كيف سيؤثر هذا التحول في داخل الشركات، على العمال خاصة، وحتى على أصحاب الشركات، فلم تعد دوائر الاقتصاد الجديد تستوعب الجميع، لا عاملين ولا أصحاب شركات. 

بات سواد من الخبراء يتنبؤون بتأثير الذكاء الاصطناعي على سوق العمل، فمنهم المتفائل المتحمس، ومنهم الخائف المتوجس، ولكل زاوية ينظر منها، وعينا يرد منها، وربما ما اختلافهم إلا كناظرين لعملة واحدة بوجهين، لا يُعلم وجهها من بطنها، وكأنه “الجساسة…. لا يعلم قُبُلها من دبرها” [11]؛ تُظهر تقارير مؤسسات دولية مثل OECD[12] وصندوق النقد الدولي أن الأتمتة والروبوتات والنماذج اللغوية الكبيرة تعيد تشكيل طبيعة العمل في قطاعات واسعة، فقد تمكنت في ظرف وجيز من “خلق” نماذج ذكية قادرة على القيام بدور إطار تقني أو مهندس تطوير برامج، وأصبحنا نراها في مواقع التطوير، أين تسأل السؤال، فيرد البرنامج أنه سيستدعي مهندسا، أو مدققا، وفي النهاية برنامج في برنامج، وبرنامج طور برنامجا، مع بروز مخاوف من فقدان وظائف في مجالات محددة كالبرمجة وخدمات المكاتب، وهو ما تعكسه تقارير عن تراجع ملحوظ في وظائف “مبرمج الكمبيوتر” وتقديرات سياسية على أن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يستبدل ما يقارب 97–100 مليون وظيفة أميركية خلال 10 سنوات. في المقابل، تؤكد نفس التقارير أن الأثر الكلي على مستويات التوظيف لا يزال مرتبطًا أكثر بتغيّر مضمون العمل ذاته، وأن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يرفع الإنتاجية ويخلق مهام جديدة أعلى مهارة، إذا وُضعت سياسات تدريب وحماية اجتماعية مناسبة. [13]   

وإن كنت هنا نويت التحدث عن بعض التجارب التي قام بها الذكاء الاصطناعي وأظهر فيها إشكالات، ومنها أنه أظهر اختلافا في التعرف على الناس بأنواع بشرتهم، ولعل الأمر أسال حبرا، و هو قضية وقت  حتى يتغلب المطورون على هذه الثغرات، ولكن الذي حز في نفسي ونفوسنا، هو كيف حاول أصحاب هذه البرمجيات اللغوية العملاقة أن يتحكموا في الرأي العام، وما قضية منصة أكس وحرب غزة والقضية الفلسطينية منا ببعيد؛ والإشكال هنا ليس في برامج ذكاء اصطناعي، بل في أنظمة يتم ترويضها وإقناعها حتى هي تؤثر في الرأي العام وتصنع طبقة جديدة من الوعي، ولا أتكلم هنا عن الآثار الاقتصادية فقط، بل في أعمق وأبعد من ذلك. 

من زاوية أخرى ظهرت قضية الطاقة المهولة التي يستعملها هذا العملاق التقني، فقد أصبحت مراكز تطويره أكبر مستهلكي الكهرباء في العالم، وبينما تعاني كثير من مدن العالم من عدم قدرتها على تغطية ما يكفيها من الكهرباء، تقوم بعض مراكزه باستهلاك ما يكفي مدنا بأكملها، ولهذا بدأت بعض الدول في منع وتقليص رخص مراكز البيانات ومراكز الذكاء الاصطناعي، وبهذه الوتيرة، ستظهر استعمارات جديدة، ومستعمرات جديدة قد تختلف مسمياتها، ولكن سيبقى تأثيرها واحدا وطبيعتها مشابهة لسابقاتها، فستُستحلُ بلادٌ وأناسٌ بلا ثمن، أو بثمن بخس، لتمرير مخططات تطويرها، والعجيب أن المُستعمَر يومها سيكون هو صاحبها أو مستعملا لها، كمن أخذوا أرضه واستعبدوه لزراعة المخدرات، ثم أدمنها وأصبح من أكبر مستهلكيها. 

لكن أخوف ما نخاف هو كيف سيؤثر علينا كبشر، وإن كنا لن نرى هذه التغييرات في زمن قريب، لأنها يلزمها على الأقل جيلان أو ثلاث، رغم تسارع وتقارب الأجيال في يومنا، إلا أننا يمكن أن ننظر لبعض التحولات التي طرأت على بني البشر في ظل التحولات الصناعية – حتى لا أقول حضارية، لأن الحضارة عندنا أكبر من مجرد مظاهر- وللأُنس فقد شاهدت منذ مدة حلقة بالرسوم المتحركة -قبل عصر الذكاء- وكان فيها بنو البشر في جيل متقدم وحولهم تقنيات جد متطورة، كالسيارات الطائرة، بل والكراسي المتحركة والطائرة، ولكن المدهش واللافت والمخيف أن البشر فقدو قدرتهم على الحركة، بل في لقطة صوروا رجلا – وكل البشر يومها زائدي وزن- صورا صورة إشعاعية لعظمه ولا ترى إلا بقايا العظام التي بدأت تختفي من جسده؛ لعل الأمر كان مزحة يومها، حتى حدثني صديق طبيب أسنان بالجزائر، أن الدراسات أوضحت أن بنية الأسنان عند الأجيال الحديثة بدأت تضعف، والسبب أن آباءهم وربما أجدادهم لم يعودوا يستعملوا أسنانهم لنهش اللحم، ولا لكسر بعض العظم، ولا حتى لقضم فاكهة يابسة، أو حبات قمح جافة، حتى تولد جيل لا يحب ولا يأكل إلا الطري، فذهبت قوة فكه وأسنانه، وكذلك يحدث الآن مع جيل استعمل الحواسيب والشاشات الذكية في المدرسة من يومه الأول، وهم الآن لا يحسنون كتابة فقرة باستعمال قلم حبر، فلا يحسنوا الكتابة لأن البرنامج كان يصحح أخطاءهم، ولا حتى أيديهم تقدر على حمل قلم وتدويره وتحريكه طويلا لأنها غير مدربة على ذلك، وبالأمثلة تتضح الأفكار، فلنا أن نتخيل جيلا بعد جيل والناس يستعملون هذا الذكاء لكتابة سطر أو حل مسألة ضرب بسيطة، أو حتى لأبسط من ذلك، فالمهدد هنا هو عقل البشر وذكاؤهم، و في الجهة الأخرى يكبر هذا العملاق ويزداد ذكاءً ودهاءً، ولعل المنعطف الذي ينتظره الجميع حتى يُصدموا هو نماذج من صنع الذكاء ولا يدخل فيها البشر، فحينها مساحة الاحتمالات مفتوحة على مصراعيها وتحتمل كل واقعة وكل خيال. 

وإن شئنا أوغلنا في جوانب أخرى للذكاء الاصطناعي، فإننا سندرس أثره على حياة الناس، وحتى عواطفهم، ونسرد ربما قصة ذاك الشاب الذي تتيم بفتاة على الأنترنت ثم ظهرت أنها مجرد ذكاء اصطناعي، فأنهى حياته، أو ربما زدنا أبعاده القانونية، و الأخلاقية، والسياسية، والثقافية، وحتى الدينية منها، ولعل المجال لا يكفي هنا، ولعلنا ونحن نكتب هذا المقال جد جديد في هذا العالم الذكي، فأصبح ما نقول ضربا من الماضي، وأن الحاضر يغدو ماضيا قبل أن يجف حبر الكاتبين، فلنكتفي من ضروبه بما ذكرنا، ولنصرف القول لمجهودات من هنا وهناك للسيطرة على الوضع ولردء الصدع. 

أمام كل هذه المنازعات والتضاربات، سال حبر كثير وسيسيل، محاولا استغلال المنافع والتقليل من الأضرار التي يحملها هذا التطور في طياته، فقد برزت جهود دولية لوضع أطر حوكمة تحاول توجيه الذكاء الاصطناعي نحو «نعمة منضبِطة» لا «نقمة منفلتة». فقد أصدرت اليونسكو أول توصية عالمية شاملة لأخلاقيات الذكاء الاصطناعي، تبنّتها معظم دول العالم، وترتكز على احترام حقوق الإنسان والكرامة والعدالة والشفافية والمسؤولية البشرية عن قرارات الآلة – حتى إذا تعلق الأمر بمصالح الغرب، كان لا بد من تأديب الآلة وترويضها -، وزد عليها منظمة الأمم المتحدة، والإتحاد الأوروبي التي تسعى جاهدة لترويض هذا العملاق القائم، وهذا المنفلت العائم، ولعل محاولاتهم هي مجرد إبطاء لما هو محتوم من تغيير، سواء إيجابيا كان أو سلبيا. 

و في الأخير سنتفق أن الأوان مبكر جدا لنحكم على هذا الذكي هل هو نعمة أو نقمة، ولكن الأكيد أنه وسيلة يجب التحكم فيها، كأفراد، مؤسسات، وكأمة – وسنترفع هنا عن تفصيلات سايس بيكو التي هدت قوامنا وزادت هواننا-، والأمر الملزم أن المؤسسات والأسر يجب أن تتفطن، فلا تجري وراء كل لامع، بل تحافظ على إنسانيتها، وتبقي على بشريتها، فلا بد للأولاد من مرب يربيهم، ولا بد لهم أن يخطوا الحروف بأقلامهم، ويحلوا المسائل بعقولهم، وعلى المتعلمين أن يتقنوا أعمالهم أساسا دون الرجوع لهذا الذكي المتذاكي، فعلى المصمم أن يحسن الرسم والتخطيط، وأن المحاسب ملزم بمعرفة أسرار الحسابات وقوانينها، وهلم جرّ، فلا نستغني عن أثمن شيء ميزنا الله به ألا وهو التفكير، ثم إذا جئنا للوسائل، فلنستغل هذا القادم خير استغلال، ونحن أبناء أمة لا ضرر ولا ضرار، ونحن لا نبخس الناس أشياءهم، بل نحن خلفاء الله في الأرض، نقيس كل قادم بميزان الحق، فإن جاز فعلناه، وإن عدل عن الحق طرحناه، وبين هاتين المساحتين، مساحة المتشابهات، والتي ستفني كثيرا من الناس دينا ودنيا. 

كتبه يوسف بوزيد 21 نوفمبر 2025 نيوجرزي و.م.أ

قائمة المراجع:

[1] المتنبي. (2010). ديوان المتنبي (تحقيق عبد الوهاب عزام). دار الكتب العلمية.

[2] Maslej, N., et al. (2025). AI Index 2025 Annual Report. AI Index Steering Committee, Stanford Institute for Human-Centered Artificial Intelligence, Stanford University. Available at: https://hai.stanford.edu/ai-index/2025-ai-index-report

[3] McKinsey & Company. (2024). The state of AI in early 2024. McKinsey Global Survey on AI. Available at: https://www.mckinsey.com/capabilities/quantumblack/our-insights/the-state-of-ai-2024

[4] Crane, L. D., Green, M., & Soto, P. E. (2025). Measuring AI Uptake in the Workplace. FEDS Notes, Board of Governors of the Federal Reserve System, February 5, 2025. https://doi.org/10.17016/2380-7172.3724

[5] Liang, W., Zhang, Y., Codreanu, M., Wang, J., Cao, H., & Zou, J. (2025). The widespread adoption of large language model–assisted writing across society. Patterns, 6(10), 101366. https://doi.org/10.1016/j.patter.2025.101366

[6] McKinsey Global Institute. (2023). The economic potential of generative AI: The next productivity frontier. McKinsey & Company. https://www.mckinsey.com/capabilities/tech-and-ai/our-insights/the-economic-potential-of-generative-ai-the-next-productivity-frontier

[7] Brynjolfsson, E., Li, D., & Raymond, L. R. (2023). Generative AI at work (NBER Working Paper No. 31161). National Bureau of Economic Research. https://doi.org/10.3386/w31161

[8] Amazon. (n.d.). Conditions of Use. Amazon Help & Customer Service. https://www.amazon.com/gp/help/customer/display.html?nodeId=Tvh55TTsQ5XQSFc7Pr

[9] Gupta, D. (2024, April 18). Unveiling the AI landscape: Insights from the 2024 Stanford AI Index report. guptadeepak.com. https://guptadeepak.com/unveiling-the-ai-landscape-insights-from-the-2024-stanford-ai-index-report

[10] OECD. (2023). OECD employment outlook 2023: Artificial intelligence and the labour market. OECD Publishing. https://www.oecd-ilibrary.org/employment/oecd-employment-outlook-2023_99c4c123-en

[11] رواه مسلم في صحيحه، كتاب الفتن وأشراط الساعة، باب قصة الجساسة، حديث رقم 2942 في كثير من الطبعات.

«فَدَخَلْنَا الْجَزِيرَةَ، فَلَقِينَا دَابَّةً أَهْلَبُ، كَثِيرُ الشَّعْرِ، لا يُدْرَى مَا قُبُلُهُ مِنْ دُبُرِهِ مِنْ كَثْرَةِ الشَّعْرِ، فَقُلْنَا: وَيْلَكِ، مَا أَنْتِ؟ قَالَتْ: أَنَا الْجَسَّاسَةُ…»

[12] OECD. (2023). OECD employment outlook 2023: Artificial intelligence and the labour market. OECD Publishing. https://doi.org/10.1787/08785bba-en

[13] Reilly, P. (2025, October 6). AI could wipe out 100M US jobs – from nurses to truck drivers – over the next decade: Report. New York Post. https://nypost.com/2025/10/06/business/ai-could-wipe-out-100m-us-jobs-over-the-next-decade-senate-committee-report/

أبرزت ورشة ” ضمان الجودة في الجامعات الجزائرية” أهمية بناء ثقافة الجودة المؤسسية في التعليم العالي
الجزائري من خالل نهج تدريجي يأخذ في االعتبار الخصوصيات المحلية. واستعرضت الورشة مسار الجودة في الجزائر
منذ عام ،2010 والذي شمل إنشاء اللجنة الوطنية لتقييم الجودة (CIAQES (ووضع مرجعية وطنية (RNAQES (. كما
أشارت إلى التحديات التي تواجه هذا المسار، مثل غياب وكالة وطنية لضمان الجودة، وعدم ترسيم وظائف مسؤولي
الجودة، وضعف المتابعة بعد انتهاء مهام اللجنة في عام .2020 ورغم هذه التحديات، هناك نقاط قوة مثل الوعي المتزايد
بأهمية الجودة، وتعميم ثقافة التقييم الذاتي، وتأسيس هياكل داخلية لضمان الجودة.
يمكن لشبكة إيناس )الشبكة العالمية للعلماء الجزائريين( أن تكون شريكًا وفعاًل في تطوير مسار الجودة في الجامعات
الجزائرية من خالل عدة أدوار منها:
• تأسيس لجنة تنسيقية مشتركة: يمكن لشبكة إيناس تشكيل لجنة مع خبراء من داخل وخارج الجزائر للمساهمة في وضع خارطة طريق وطنية لتعزيز سياسة دمج ضمان الجودة واالعتماد في الحوكمة الجامعية التي تنتهجها
الوزارة الوصية.
• بناء القدرات وتبادل الخبرات: يمكن للشبكة إنشاء فضاء لتبادل المعرفة والخبرات وأفضل الممارسات في مجال الجودة واالعتماد األكاديمي. كما يمكنها تنظيم ورشات عمل متخصصة لتطوير قدرات الفاعلين الميدانيين مثل مديري الجودة والفرق البيداغوجية.
• الدعم التقني والمرافقة المؤسسية: يمكن لشبكة إيناس أن تكون بمثابة منصة للدعم التقني والمرافقة للمؤسسات الجامعية التي تسعى لتحسين الجودة والتحضير لالعتماد .
• نقل التجارب الدولية: يمكن لـ إيناس نقل التجارب الدولية الناجحة وتكييفها مع السياق الجزائري. على سبيل المثال، يمكن االستفادة من تجربة جامعة Watt-Heriot في إدماج الذكاء االصطناعي في إدارة الجودة، أو نموذج جامعة الملك سعود في الحصول على االعتماد الدولي الذي قام على اإلرادة السياسية واالستقاللية والاستثمار في الجودة
• تقديم الدعم والمرافقة للمؤسسات الجامعية لتمكينها من تطبيق المعايير الدولية مثل 9001 ISO و ISO
،21001 مع األخذ في االعتبار الخصوصيات المحلية. كما يمكن المساهمة في وضع منظومة فعالة لمتابعة وتقييم خطط العمل.
• دعم التحول الرقمي: يمكن لشبكة إيناس المساعدة في وضع معايير واضحة للبنية التحتية والتأهيل والتقييم لضمان الجودة الرقمية

تلعب الجامعة دورًا محوريًا في بناء الاقتصاد المعرفي، من خلال وظائفها الأساسية: التعليم، البحث العلمي، وخدمة المجتمع. فهي تعدّ الكفاءات البشرية المؤهلة لسوق العمل، وتنتج المعرفة التي تسهم في حل المشكلات التنموية، وتفتح آفاق الابتكار وريادة الأعمال. 

على الصعيد العالمي، وخاصة في الاقتصادات الناجحة، لم تكن الجامعة يومًا فضاء معزولا عن الاقتصاد، بل كانت دائماً شريكا فاعلا في الإنتاج، وذلك عبر شراكات استراتيجية مع المؤسسات التكنولوجية والصناعية. هذا الانفتاح سمح بتمويل المشاريع البحثية، وتحويل نتائجها إلى منتجات وخدمات فعلية. في الجزائر، بدأت الجامعات تتبنى هذا التوجّه من خلال مبادرات مثل مشروع “الجامعة من الجيل الرابع” ودعم المؤسسات الناشئة والصغيرة. 

لكن هذا المسار يثير العديد من التساؤلات النظرية والتطبيقية حول طبيعة العلاقة بين الجامعة والاقتصاد، وحول سبل التحول إلى جامعة منتجة، ومنها: 

  • هل يجب أن تكون المعرفة دومًا في خدمة السوق؟ أم أن للجامعة أدوارًا لا تُقاس بالعائد المادي؟ 
  • ما الذي يمكن أن نتعلّمه من التجارب العالمية الناجحة في هذا السياق؟ 
  • ما الجوانب المضيئة والمظلمة في الشراكة بين البحث العلمي والمؤسسات الاقتصادية؟ 
  • ما أسباب الفجوة القائمة بين مخرجات البحث العلمي واحتياجات سوق العمل؟ 
  • كيف يمكن الاستفادة بشكل عملي من مخرجات البحث، وتحويلها إلى منتجات قابلة للتسويق؟ 
  • وأي دور يمكن أن تلعبه الجامعة الجزائرية في خلق بيئة حاضنة للابتكار وريادة الأعمال؟ 

في هذا السياق، يأتي الملتقى الصيفي لشبكة إيناس لسنة 2025 ليفتح نقاشًا علميًا مفتوحًا حول العلاقة بين الجامعة وسوق العمل، بمشاركة باحثين جزائريين من داخل الوطن وخارجه، بهدف تبادل التجارب، وصقل الرؤى، واستشراف مستقبل الجامعة الجزائرية في ضوء التحولات العالمية. 

في نشرة جويلية 2025، تأخذكم شبكة إيناس في جولة بين مشاريع جادة ومبادرات واعدة، يجتمع فيها العلم بالشغف، والتفكير بالعمل. من تطوير مساحات جديدة لدعم الكتابة الأكاديمية في الجزائر، ودورات لتعليم هندسة الطيران، إلى أوراق بيضاء تعالج قضايا البيئة والتغير المناخي.

في هذا العدد، نحتفي أيضًا بذكرى استقلال الجزائر، مستحضرين قوة التاريخ في دفعنا نحو مستقبل أكثر وعيًا وتأثيرًا.

نحن نؤمن أن المعرفة التي تنطلق من العقول الجزائرية قادرة على أن تلامس العالم، وأن الإبداع حين يرتبط بالهوية يصنع الفرق.

مرحبًا بكم في النشرة البريدية لشهر جويلية مع إيناس.

    Supporting Academic Writing in Algeria:

    Get a free Writing Consultation

    Are you working on a manuscript in English that needs linguistic refinement or publication guidance for a recognized academic journal? Submit your work now for the opportunity to receive personalized consultation with one of our expert consultants.

    Webinar:Bridging Borders to Improve Academic Writing in Algeria

    As part of the ongoing AOWL initiative, INAS hosted a webinar titled “Challenges &Opportunities of Developing an EFL Writing Course in Algeria.”

    Dr. Wafa Zekri from the University of Tlemcen, in collaboration with Dr. Kamal Belmihoub, presented insights on the challenges facing academic writing instruction in English at Algerian universities. The session shared practical experiences in designing effective course content grounded in international writing pedagogy. This collaboration has produced a published book chapter documenting their joint reflections on developing an EFL writing course specifically tailored to the Algerian academic context.

    Key Discussion Points :

    • How can instructors overcome the difficulties of teaching writing in English?
    • What role can partnerships between Algeria-based and diaspora scholars play in enhancing writing instruction?
    • The importance of writing education as a tool for fostering critical thinking, research, and communication in English

    This event provided an inspiring platform for educators, researchers, and students while highlighting the potential of cross-border academic collaboration in advancing higher education in Algeria.