د. لطيفة بن حموش
أستاذة محاضرة، قسم الرياضيات في جامعة البليدة 1
ملخص:
يشهد الوسط الجامعي والبحثي اليوم نقاشًا ساخنًا حول استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي، التي اقتحمت قاعات الدرس ومخابر البحث دون استئذان، فأصبحت أشبه بضيف مفاجئ يفرض حضوره على الجميع. فالطالب يوظّفها في تحرير بحوثه، والأستاذ في تحضير دروسه، والباحث في مراجعة الأدبيات وصياغة مقالاته، غالبًا في غياب إطار مؤسسي واضح يضبط هذا الاستعمال. وقد تفاقم الجدل مؤخرًا مع التطورات المتسارعة لهذه النماذج وإنجازاتها اللافتة في الرياضيات، من حل مسائل عمرها عقود إلى تحقيق درجات كاملة في أولمبياد الرياضيات الدولي 2026، مما دفع المجتمع العلمي إلى التساؤل عن مصيره المهني والوجودي، وانقسمت الآراء بين من يرى فيها فرصة لتطوير البحث والتعليم، ومن يستشعر فيها خطرًا يهدد جوهر العمل الأكاديمي.
في هذه الورقة نتناول قضية استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي في الدراسة والبحث العلمي عبر ثلاثة محاور: رصد الممارسات الإيجابية في الأوساط التعليمية والجامعية بمختلف التخصصات، ثم تسليط الضوء على الجوانب السلبية للاستخدام السيئ لدى الطلاب والباحثين، وأخيرًا اقتراح إطار عملي للاستخدام الأخلاقي المسؤول.
قبل البدء نتساءل : كيف يعمل الذكاء الاصطناعي التوليدي؟
يُدرَّب الذكاء الاصطناعي التوليدي على كميات ضخمة من البيانات (نصوص، وصور، وكتب)، ليتعلّم خلال هذا التدريب تمييز الأنماط والعلاقات بين الكلمات، بدل أن يُزوَّد بقواعد جاهزة. فنحن نمنحه كمًّا هائلًا من النصوص والصور، ليستخلص بنفسه الأنماط والعلاقات الكامنة فيها.
والنموذج لا يحفظ الإجابات ولا يبحث عنها في ملفات كما تفعل الموسوعة، بل عندما يُعطى مطالبة (سؤالًا أو بداية جملة)، فإنه لا يسترجع إجابة مخزَّنة، وإنما يحسب احتمالية كل كلمة تالية خطوة بخطوة، ويولّد المحتوى رمزًا تلو الآخر. فالتوليد إذن يقوم على التنبؤ لا على الاسترجاع، ويعتمد في ذلك على بنية تقنية تُعرف بالمحوّلات (Transformers)، تمكّنه من ترجيح المعنى بحسب السياق؛ أي إدراك أن كلمة “بنك” قد تعني مؤسسة مالية أو مقعدًا على ضفة النهر، تبعًا للكلمات التي تجاورها. فهو أشبه بلعبة إكمال الجملة.
وهذه النقطة بالذات هي مفتاح فهم كل ما سيأتي لاحقًا من مزايا ومخاطر؛ فالنموذج يُنتج نصًّا سليمًا تركيبيًّا يعبّر عن ارتباطات موجودة في بيانات تدريبه، دون أن يضمن أن يكون هذا النص صحيحًا واقعيًّا أو خاليًا من التحيّز (Cheng et al., 2025). وهذا الغياب هو المصدر الرئيسي لظاهرة “الهلوسة” ولانتشار التحيّزات، كما سنرى لاحقًا عبر هذه الورقة.
استخدامات الذكاء الاصطناعي الإيجابية في الجامعة
يُعدّ تبسيط المفاهيم الصعبة من أبرز استخدامات الذكاء الاصطناعي في الوسط الجامعي، إذ يستطيع شرح مفهوم نظري معقّد بأكثر من طريقة وبمستويات متفاوتة، وهو ما يصعب على الأستاذ تحقيقه لكل طالب على حدة. كما يساعد على تلخيص المحاضرات الطويلة، ويتيح تجاوز الحاجز اللغوي أمام المراجع الأجنبية، مع ضرورة المراجعة البشرية. وعند الكتابة بلغة أجنبية، يمكنه تصحيح الأخطاء النحوية والإملائية وتحسين انسيابية النص، بل قد يتجاوز ذلك إلى تحويل أفكار متناثرة إلى مخطط منظّم، أو اقتراح خطة أولية لبحث.
أما بالنسبة للأستاذ، فيمكنه الاستعانة به في توليد أمثلة وتمارين وحالات دراسية متنوعة حول الدرس نفسه، وإعداد مسارات متدرجة تناسب مستويات الطلبة المختلفة داخل الفوج الواحد. كما قد يسهم في تخفيف الأعباء الإدارية، كصياغة المراسلات، وتنظيم البرامج، وإعداد ملخصات الاجتماعات.
وعلى مستوى البحث العلمي، تتيح أدوات الذكاء الاصطناعي للباحثين الاستكشاف الأولي للأدبيات المتعلقة ببحوثهم، وتكوين خريطة أولية للموضوع وللمصطلحات المفتاحية. كما تقدّم هذه النماذج مساعدات تقنية متنوعة، إذ يمكن للباحث أن يطلب منها حججًا معاكسة لأطروحته لتقوية باب المناقشة، أو البحث عن منهجية بديلة لمعالجة مسألة ما.
بعض الجوانب السلبية والمخاطر
تُعدّ الهلوسة وتلفيق المراجع من أوضح المخاطر التي لا يمكن إخفاؤها أو التغاضي عنها. يقول الدكتور درصاف السبعي في مقاله المعنون “هلوسة الذكاء الاصطناعي” إن النموذج قد يخترع مصطلحًا أو مراجع غير موجودة أصلًا؛ فالنماذج اللغوية قادرة على توليد مراجع علمية تبدو دقيقة في شكلها وتنسيقها وتحمل عناوين مقنعة، لكنها في الواقع غير موجودة، لأنها في الأساس أنظمة تتنبأ بالكلمة التالية بناءً على أنماط تعلّمتها من بيانات ضخمة، لا أنظمة تبحث عن المعرفة وتتحقق منها (السبعي، 2026). وتؤكد الدراسات الميدانية هذا الطرح بأرقام مقلقة؛ ففي دراسة كُلّف فيها النموذج بإنتاج خمسين بروتوكولًا بحثيًّا مع مراجعها، تبيّن أن 38٪ من المراجع تحمل معرّفًا رقميًّا خاطئًا أو ملفّقًا، وأن 16٪ من المقالات المُحال إليها غير موجودة أصلًا. وفي دراسة أخرى شملت ثلاثين ورقة طبية قصيرة، كان قرابة نصف المراجع ملفّقًا بالكامل، بينما كانت 46٪ منها حقيقية لكن غير دقيقة في بياناتها، ولم تكن سوى 7٪ من مجموع المراجع صحيحة ودقيقة تمامًا (Cheng et al., 2025). وهذه النسبة الأخيرة وحدها كافية لتبرير قاعدة صارمة: لا يُعتمد على الذكاء الاصطناعي التوليدي في توليد المراجع بأي حال من الأحوال.
ويرتبط بهذا الخطر خطر آخر لا يقل عنه أهمية، وهو الانتحال غير المقصود. فتستقي هذه الأدوات نصوصها من محتوى متاح على الإنترنت، وقد تُنتج فقرات تشبه المصدر الأصلي تشابهًا كبيرًا أو حرفيًّا. وإذا لم ينتبه الباحث إلى ذلك، فقد يقع في الانتحال دون قصد، بل قد يتحول الأمر إلى ما يسمى الانتحال المزدوج، حين يستشهد باحثٌ لاحق بنص منتحَل نُشر أصلًا في مقال آخر، فتتوالد المخالفة وتتشعّب (Cheng et al., 2025).
ومن جهة أخرى، فإن النموذج مرآة لبيانات تدريبه كما ذكرنا سابقًا؛ وحين تكون هذه البيانات مثقلة بتحيّزات ما، فإن المخرجات لا تكتفي بنقل هذه التحيّزات، بل قد تضخّمها وتُضفي عليها طابعًا من الموضوعية الزائفة، لأنها تقدمها في قالب لغوي سليم ومنظّم.
ولا شك أن الخطر الأعمق هو تآكل الكفاءة واضمحلال التفكير النقدي، وهو خطر بيداغوجي لا تقني. فالانشغال بالإنتاجية وحدها يُغفل ما هو أهم: النمو الفكري للباحث والطالب. وإذا صار الطالب يعتمد على الأداة في توليد الأفكار وكتابة النص الأول وتأويل البيانات، فإن هذه المساعدة تتحول بسهولة إلى تبعية تُعطّل نموّه العلمي (Cheng et al., 2025). فالكتابة ليست مجرد وعاء للفكر، بل هي آلية إنتاجه؛ ومن يتنازل عن الكتابة يتنازل ضمنيًّا عن جزء من التفكير نفسه. ومن المؤكد أن تفويض هذه المهام الذهنية للأدوات الاصطناعية يهدد بضياع مهارات ضرورية مع مرور الزمن.
وفي السياق الجامعي، تبرز مخاطر إضافية لا تقلّ خطورة. فهناك الفجوة الرقمية، حيث تفرض النسخ المتقدمة مقابلًا ماليًّا للولوج إلى التحديثات، وهو ما يخلق تفاوتًا بين الطلبة داخل الفوج الواحد، وبين الجامعات داخل البلد الواحد، فيُصبح امتلاك الأدوات الأقوى امتيازًا اقتصاديًّا لا معرفيًّا. وتُضاف إلى ذلك مشكلة عدم موثوقية كواشف الذكاء الاصطناعي؛ فقد تعطي هذه الكواشف نتائج إيجابية خاطئة في كثير من الأحيان، وتضرّ بشكل خاص بالطلبة الذين يكتبون بلغة ليست لغتهم الأم. ولذلك لا يجوز بناء عقوبة تأديبية على مخرجات هذه الأدوات وحدها.
أما في ميدان الرياضيات والمعالجة الحسابية، فكانت النماذج إلى وقت قريب ضعيفة الدقة وتخطئ في مسائل بسيطة، إلا أن أداءها في تحسّن مستمر. وتجدر الإشارة، على سبيل المثال، إلى تجربة أُجريت صيف 2026 في برنامج SMALL REU بكلية ويليامز (ماساتشوستس)، بمشاركة البروفيسور ستيفن ميلر وكارول دانييفسكي وكونور ياو، أُعيد فيها التفكير في إعداد طلاب البحث في القرن الحادي والعشرين. ضمّ البرنامج نحو 25–40 طالب بكالوريوس، عالجوا المسائل بأنفسهم أولًا، ثم استخدموا مستويات متعددة من أدوات الذكاء الاصطناعي في التحليل والتعميم. وجاءت النتائج متباينة: أحيانًا أنتج الذكاء الاصطناعي براهين صحيحة ورؤى جديدة، وأحيانًا قدّم أفكارًا تضمنت أخطاءً رياضية. فهي إذا قيد التحديث المستمر.
إطار عملي للاستخدام الأخلاقي
في ورقة علمية جديدة لشانغ و زملاءه صنَّفت استعمالات الذكاء الاصطناعي التوليدي في البحث الأكاديمي إلى ثلاث مراتب: مقبولة أخلاقيًّا وتقتصر على تحسين نص أو فكرة موجودة أصلًا (تصحيح لغوي، تحسين وضوح، ترجمة) بشرط أن يراجعها الباحث ويحافظ على صوته الفكري؛ مشروطة أخلاقيًّا وتشمل التلخيص والعصف الذهني وتوليد مخططات، بشرط التحقق من أن المخرجات تعكس أفكار الباحث ولم تغيّر المعنى الجوهري؛ مشبوهة وغير موصى بها كتحرير نص من الصفر أو تأويل البيانات أو مراجعة الأدبيات، لأنها تحرم الباحث من الانخراط العميق في المادة. ويبقى الإفصاح عن كيفية استعمال الأداة واجبًا مستقلًّا حتى مع الاستعمالات المقبولة. و اقترح شانغ و زملاؤه اطارا عمليا للاستخدام الأخلاقي لأدوات الذكاء الاصطناعي كما يلي : قبل تسليم أي عمل استُعمل فيه الذكاء الاصطناعي التوليدي، يُطرح هذا التسلسل من الأسئلة
- هل استعملت الأداة بطريقة تضمن أن الأفكار الأساسية والرؤى والتأويلات والتحليل النقدي هي أفكاري أنا؟
- هل استعملتها بطريقة تحافظ على اكتسابي لمهارات البحث والكتابة الجوهرية؟
- هل تحققت شخصيًّا من أن كل المحتوى والمراجع دقيقة وموثوقة وخالية من التحيّز؟
- هل أفصحت بوضوح عن كيفية استعمال الأداة وعن الأجزاء التي شملها هذا الاستعمال؟
فإذا كان الجواب عن أي سؤال منها بالنفي، وجبت مراجعة المسار كله.(Cheng et al., 2025)
خاتمة
إن الاستعمال الأمثل لنماذج الذكاء الاصطناعي لا يتحدد بقدراتها التقنية، بل بموقعها في العملية الفكرية: فهي مقبولة حين تعمل على مادة أنتجها الباحث، ومشبوهة حين تحلّ محل إنتاجه. وهذا الخط الفاصل هو المعيار الجامع لكل ما سبق. فالتحدي الحقيقي، ليس في منع الأداة ولا في تبنّيها بلا شرط، بل في تحديد متى وكيف تُستعمل على الوجه الأمثل؟، وفي إدارة تفاصيل هذا الاستعمال إدارة أخلاقية. ويبقى الهدف الأسمى في ميدان التعليم الجامعي بكل تخصصاته تكوين إطارات ومهندسين و باحثين قادرين على التفكير العميق في الأسئلة التي تواجههم، وعلى تقديم حلول مقنعة مبنية على الأدلة وعلى التفكير النقدي وهو أمر يستلزم معرفة حقيقية , وفهم عميق بموضوع البحث، لا طلاقة لغوية مستعارة من آلة.
المراجع:
Cheng, A., Calhoun, A., & Reedy, G. (2025). Artificial intelligence-assisted academic writing: recommendations for ethical use. Advances in Simulation, 10(22). https://doi.org/10.1186/s41077-025-00350-6
السبعي، درصاف. (2026، 20 أبريل). هلوسة الذكاء الاصطناعي. الجمعية السعودية للذكاء الاصطناعي. https://arsco-ai.org/publications/2256
https://hub.williams.edu/math/small/